تاريخ فئة أهل الحديث في الهند حافل بالأعمال الإصلاحية البناءة و الريادة العلمية و المبادرات الطيبة التي لعبت دورا بارزا في إرجاع الأمة إلى الكتاب و السنة. إننا نجد من العلماء و المحدثين في الهند في كل قرن من القرون منذ دخول المسلمين فيها من كانوا عاملين بالحديث و دعاة إلى العمل بالكتاب والسنة و العقيدة الصحيحة الإسلامية السلفية الخالية من البدع و الخرافات و الفلسفة الأجنبية اليونانية. اللهم إلا أن هذه الجهود ما كانت تشكل جهود جماعة و إنما كانت جهودا فردية شخصية لها آثارها ملموسة في دائرة معينة.
و برزت شخصية الشاه ولي الله الدهلوي في القرن الثامن عشر الميلادي و غيرت من مسار المسلمين الديني و الفكري. فقد تمركزت أعماله في نشر الكتاب و السنة عن طريق ترجمة معاني القرآن الكريم إلى اللغة الفارسية و شرح الحديث النبوي باللغة العربية و الفارسية و إبراز جهود المحدثين و الدعوة إلى العمل بهما و بيان أسرار الشريعة الإسلامية. و الشخصية العظيمة التي كانت نقطة تحول في تاريخ المسلمين في الهند هي شخصية الشاه إسماعيل الدهلوي حفيد الشيخ ولي الله الدهلوي. عمل بالنصوص من كتاب الله و سنة رسوله و قام بالدعوة إليها و جاهد ضد البدع و الخرافات و بين العقيدة الصحيحة و قاد حركة الجهاد ضد الإنكليز و للدفاع عن المستضعفين من المسلمين.
عرفت حركة السيد أحمد الشهيد و الشاه إسماعيل الشهيد بالحركة الوهابية و حركة شهيدين و كان أميرها السيد أحمد الشهيد و لكن الإمارة العلمية كانت بيد الشاه إسماعيل الشهيد. و لما قتلا في بالاكوت عام ١٨٣١م انتقلت الإمارة إلى أهل صادق فور في بتنا و كانوا أهل حديث ، استماتوا في سبيل إقامة النظام الإسلامي و تحرير البلاد. و لم يدخروا وسعا في نشر تعاليم الكتاب والسنة و إصلاح ما فسد من أمر الأمة.
إنهم كانوا في الصف الأول في كل عمل اجتماعي ، قامت به الأمة لصالحها، لأنهم أحرزوا العلم و عملوا بما علموا و أخلصوا نياتهم ففاقوا أقرانهم.
عرفت الهند في العالم الإسلامي لخدمة الحديث النبوي الشريف بالتدريس و التأليف و التحقيق بجهود النواب صديق حسن خان البوفالي الذي نشر كتب الحديث و وزعها مجانا و شرحها و نشرها و وظف علماء لخدمتها و بجهود السيد نذير حسين الدهلوي الذي كان آية من آيات الله فقد درس لأكثر من ستين سنة و خرج علماء كبارا انتشروا في مشارق الأرض و مغاربها و أحدثوا ثورة علمية و عملية ، خدموا الدين و المجتمع في مختلف المجالات.
كانت ميولهم إلى خدمة الحديث قوية. قاموا بشرح سنن أبي داود و جامع الترمذي و مشكوة المصابيح و سنن النسائي و بترجمة كتب الحديث إلى اللغة الأردية و دافعوا عن المحدثين و لا سيما إمام الفقهاء و المحدثين محمد بن إسماعيل البخاري. و بذلوا كل غال و رخيص لنشر الدين في صورته النقية الصافية.
و كانوا مع المسلمين في كل عمل بناء ، يشاركون معهم و يتكاتفون و يرشدونهم وقت الحاجة و الذين يعرفون تاريخ ندوة العلماء بلكناؤ و تاريخ جمعية علماء الهند و تاريخ الجهاد ضد الإنكليز يعرفون جيدا ما لهذه الفئة من دور بارز و ريادي في هذه الجهود كلها.
إنهم كانوا مع قلة عددهم في الصفوف الأولى لأنهم عاشوا حياة علمية و عملية و جاهدوا في سبيل الله حق جهاده. فقاموا بإلقاء دروس الكتاب والسنة لأول مرة في ديار الهند و سافروا إلى المدن والقرى يدعون إلى الله و ينشرون العقيدة الصحيحة و يصلحون المسلمين ، يكتبون الكتب و ينشرونها و يكتبون على شؤون العامة بلسان العامة و يحدثون بذلك بيئة العمل بالكتاب والسنة. إنهم لأول مرة في الهند قاموا بعقد المؤتمرات والندوات العلمية للعلماء والدعاة و ابتكروا نظام المدارس الدينية الحديثة ، توجد فيها مكتبة و دار إقامة الطلبة، يعيشون فيها و يتدارسون و مدرسة أحمدية بمدينة آره معروفة لمبادراتها الطبية الجديدة النافعة قبل ندوة العلماء و غيرها من المدارس و الجامعات الدينية.
إنهم بجهودهم الجبارة دفعوا الفئات الأخرى إلى أن يشتغلوا بالحديث و يتركوا الاكتفاء بكتب الفقه و يستدلوا بنصوص الكتاب والسنة كما اعترف به السيد سليمان الندوي و مناظر حسن كيلاني و غيرهما.
ثناء الله صادق التيمي